التطبيع الإماراتي الإسرائيلي.. سقوط المُسلمات والمصطلحات

في عمق مشهد اتفاق السلام الإماراتي الإسرائيلي، يُمكننا أن نستشف نواحي ثلاث:

  • أولاً- الفضاء العام لـ التطبيع الإماراتي الإسرائيلي تمت هندسته منذ تولي دونالد ترامب زعامة البيت الأبيض، حيث وضعت الاستراتيجية الأمريكية ضمن مُحددات ثلاث، الأولى تحجيم الدور الإيراني في المنطقة ومحاصرتها اقتصادياً، والثانية الدفع بخطة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين في إطار ما سُمي بـ صفقة القرن، والثالثة تأمين المُحيط الإقليمي للكيان الإسرائيلي عبر اتفاقيات سلام.
  • ثانياً- تقاطع المصالح الخليجية والاسرائيلية وفقاً لقاسم مشترك، يتمحور حول التهديد الحقيقي للنفوذ الإيراني في المنطقة، بناءً على ذلك، فإن الدول الخليجية لم تعد ترى في اسرائيل عدواً أو تهديداً للسلم الإقليمي، وفي جانب أخر، فإنه وبالرغم من الخلافات الداخلية في البيت الخليجي، إلا أن إسرائيل أصبحت قاسماً مشتركاً بين هذه الدول، وهو ما يفسر ترشيح المنامة ومسقط لتكون التالية بعد ابو ظبي لإبرام اتفاقات مماثلة مع إسرائيل.
  • ثالثاً- توقيت الإعلان عن التطبيع الإماراتي الإسرائيلي ، ارتكز على جُزئيات الانقسام الفلسطيني، وحالة اللا استقرار التي تعيشها غالبية الدول العربية، وتغييب مصطلح الصراع العربي الإسرائيلي، إضافة إلى أن السعودية بوصفها المُهيمنة على البيت الخليجي، تربطها مع اسرائيل العديد من القواسم المشتركة، في عديد ملفات المنطقة.

هذ الوقائع دفعت رئيس مجلس الامن القومي الإسرائيلي الأسبق، اللواء يعقوب عميدرور الى القول أن “السعودية وسائر الدول التقليدية تُحافظ على الوضع القائم وموجودة في منطقة لا تتوقف عن التغير، وتبحث عن مرساة من أجل تحقيق الاستقرار، واسرائيل هي المرساة”. وبهدف القفز الى ما يجسد طموح الطرفين السعودي والاسرائيلي، دعا عميدرور إلى “بناء منظومة علاقات تمثّل مظلة مشتركة من أجل تحرك تقوم به الدول المُعتدلة واسرائيل ومن ثم يمكن ضم الفلسطينيين اليه من أجل البدء بالمفاوضات، وخلافاً للماضي، فإن تحسين العلاقات في هذا الوقت لا يقل في نظر الدول العربية أهمية عنه بالنسبة لـ”إسرائيل”، لكن العقبة الفلسطينية تُعيقهم عن ذلك، وليس واضحاً ما إذا كانت هذه الدول قادرة على التغلب على هذه العقبة على الرغم من مصلحتها في ذلك”. وشدد عميدرور على “ضرورة أن تفكر إسرائيل في كيفية تقديم المساعدة من أجل تحقيق ذلك، لأن ما يجري هو فرصة تاريخية”.

في هذا الإطار، فإن طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي، والفلسطيني الإسرائيلي، قد اتخذ مساراً مُختلفاً عن جوهر الصراعات التي تدور في رقعة شطرنج الشرق الأوسط، وبعد أن تم إزاحة الصراع العربي الإسرائيلي من جدول أعمال بعض الحكومات العربية، الأمر الذي أفقد الشعوب العربية سبباً يوحدها، وفي ذات التوقيت أوجدت سبباً يُعلل العديد من التحالفات والامتيازات. من هنا فإن الشلل الذي شهده الصراع العربي الاسرائيلي، يُمكن أن يجد التقارب بين إسرائيل والدول الخليجية ظروفاً ملائمة لتعزيزه، في سيناريو قد تمت هندسته بما يتوافق مع التهديدات المشتركة بين البلدين.

وبالتالي، العامل الأكثر حسماً للدخول في العلاقات الرسمية بين الدول الخليجية وتل أبيب، هو امتلاك عدو مشترك بينهما. وقد أثبت التاريخ أن هذه الحقيقة قادرة على توحيد الأفكار الأكثر عدائية والمواقف الأكثر انغلاقاً. وتجدر الإشارة هنا إلى أن السعودية قوة إقليمية فاعلة مؤثرة في العديد من الملفات الشرق أوسطية، الأمر الذي جعلها تقود صراعاً جيوسياسياً ضد إيران، خاصة أن الأخيرة تنظر إلى إسرائيل في المنطقة على أنها الجهة التي غزت الشرق الأوسط، وضمن منعطف تاريخي سيطرت على أماكن إسلامية مقدسة، إلى جانب أنها الجهة التي تعمل على ممارسة القمع ضد الفلسطينيين. وبالتالي بات واضحاً أن شكل الصراع بمشهده السياسي قد يتجلى في هيئة تحالفات محاور.

ختاماً، الاتفاق الخليجي عموماً والإماراتي على وجه الخصوص مع اسرائيل، سيُعمق الفرز الاستراتيجي في المنطقة، ما بين محور المقاومة ومحور التسويات مع اسرائيل، ما يعني أن رمادية المواقف تُدلل صراحة على التماهي مع اسرائيل.

زر الذهاب إلى الأعلى