سوريا بين حليفين “روسيا وإيران” ومقاربات الضرورة

الحرب على سوريا بأبعادها الإقليمية والدولية، دخلت مرحلة جديدة عنوانها تثبت النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي، لكن لا تزال هناك تحديات جمَّة تتعلق بطبيعة المرحلة القادمة لجهة المشاهد العسكرية أو الدبلوماسية؛ هذا الامر مرتبط بقدرة القوى الإقليمية والدولية على تسوية خلافاتها، واقتسام المصالح السياسية، والركون إلى طاولة التفاوض مُجدداً، خاصة أن المنطقة برمتها تشهد عملية إعادة تشكيل خرائط النفوذ السياسي والعسكري، وعلى اعتبار أن سوريا تُشكل إحدى الساحات التي تلتقي فيها المصالح الإقليمية والدولية، هذا الامر سيدفع بصراعات وتحالفات جديدة قائمة على تثبت مواقع النفوذ وتصفية الملفات العالقة، لا سيما أن مصالح الأطراف الفاعلة على الجغرافيا السورية، تتوزع بشكل قسّم الخارطة السورية إلى مناطق ساكنة ظاهرياً، ولكنها تحمل إمكانات الانفجار في أي وقت تبعاً لقدرة اللاعبين في كل منطقة على الوصول إلى تفاهمات.

في جانب موازٍ، فقد بات واضحاً أن الأزمة السورية تُعد من أعقدّ الأزمات في التاريخ الحديث والمعاصر، ذلك جراء تعدد الأطراف الإقليمية والدولية وتباين شبكة مصالحهم، وتضاد أهدافهم واختلاف استراتيجياتهم؛ لكن في المقابل، فإن هذه الأزمة المركبة باتت في مراحلها النهائية، خاصة أن الكثير من المتغيرات الجديدة ظهرت في أطر التحولات العسكرية، وتبدل ميزان القوة لصالح الدولة السورية وحلفاءها، الأمر الذي يشي باتساع مروحة التفاهمات وتحولها إلى اصطفافات سياسية، ترتكز في الجوهر والمضمون على أبجديات المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى، مع الأخذ بعين الاعتبار قدرة واشنطن التأثير عميقاً في أسس الحل السياسي في سوريا، بما يؤسس عملياً لمرحلة تغليب المصالح على جيواستراتيجية العلاقات.

من هنا لا يُمكن النظر إلى التحالف السوري الإيراني الروسي، إلا من خلال منطق المصالح الذي يحكم هذا التحالف، ومن جهة ثانية، لا يُمكن إغفال تنامي التنسيق الروسي مع القوى المؤثرة في الأزمة السورية، وفي بعض الأحيان يكون تنسيقاً بعيدًا عن إيران، لا سيما التنسيق مع تلّ أبيب وواشنطن، الأمر الذي تشكلت بموجبه ملامح مشهد سوري جديد عنوانه “التباينات حول مناطق النفوذ وترسيخ نظريات الأمر الواقع” بين القوى المتصارعة على سوريا وفي سوريا.

وانطلاقًا من جُزئية التنسيق الروسي مع القوى المؤثرة في سوريا، تبرز تساؤلات جمّة تتمحور حول المصالح المشتركة الروسية-الإيرانية في سوريا، ومدى التعاون السياسي والعسكري بين موسكو وطهران، للوصول إلى صيغة توافقية لا تتعدى جُزئياتها سقف السيادة السورية، وهل صحيح أن هناك هوة بين روسيا وإيران لجهة المنظور العام للملف السوري؟، أم إن مستوى التحالف بين البلدين مؤطر بحسابات الضرورة والتقاء المصالح؟، لكن يبقى السؤال الأبرز السؤال، هل سيكون التحالف الروسي – الايراني طويل الأمد أم قابل للتغيّر مع التطورات في المنطقة واختلاف المصالح؟.

تستدعي الإجابة عن هذه التساؤلات تحديد مستويات التعاون في العَلاقات الدولية، بغية تحديد مستوى التعاون الحقيقي الروسي-الإيراني، وذلك بناءً على مراكمة البيانات السياسية والعسكرية ضمن منظومة التحالف السوري الروسي الإيراني، ثم تحليل ثقل وأهمية سوريا في الاستراتيجيتين الروسية والإيرانية وتحديد نقاط الالتقاء والافتراق الروسي – الإيراني في سوريا، وذلك لاستشراف مستقبل العَلاقات الروسية-الإيرانية في سوريا، لكن في الإطار العام يُمكننا القول بأن روسيا وإيران يواجهان النفوذ الأميركي في سوريا، وهواجسهما تنسجم في محاربة الارهاب.

وبالتالي، يرى بوتين بأن إيران واستنادًا إلى موقعها الإقليمي، فهي مؤهلة لتكون حليفاً لروسيا في سوريا، كما أن قوة النظام السياسي في إيران، يُعد بمثابة نقطة ارتكاز يمكن الاستفادة منه، لتدعيم الإنطلاقة الروسية نحو شرق أوسط جديد، لا سيما أن الحرب على سوريا بما لها وعليها، شكّلت نقاط التقاء كثيرة بين موسكو وطهران، ويُمكن من خلال الساحة السورية التمدد نحو دول إقليمية أُخرى، وهكذا قدّمت الحرب على سوريا الفرصة لروسيا وإيران لإقامة شراكة جديدة، بحيث يختبر كل منهما الآخر في عملية موحدة للدفاع عن مصالحهما الحيوية في سوريا والمنطقة.

حقيقة الأمر، أن إيران وروسيا تشتركان في العناوين الكبرى الخاصة بشكّل وآليات الحل للأزمة السورية، وفي أن التباين في التفاصيل ربما يكون سببًا في بروز تضارب في المصالح بينهما، لكن هذا الصراع على المصالح لن يكون كافيًا لإحداث خلافات استراتيجية حادَّة بين الجانبين على الأقل في المرحلة الراهنة، ويمكن القول بأن الأهداف متقاربة والطرق متوازية، ويبدو هذا الوصف هو الأكثر دقة حين نتحدث عن حدود التعاون الروسي الإيراني في سوريا، وكأن البلدين يتفقان على هدف مشترك في وقت يختار كل طرف طريقًا موازيًا لطريق الطرف الآخر لتحقيق ذلك، فأكثر ما يميز التعاون الروسي الإيراني في سوريا أنه جاء على قاعدة أن لكل منهما مصالح مختلفة عن الآخر لكنها ليست متضاربة بشكل حادٍّ، وهذا مكَّن الطرفين من تحييد مصطلح التنافس بمعناه التصادمي، وتغليب مصطلح الشراكة بوجهيه الاستراتيجي والجيوسياسي.

زر الذهاب إلى الأعلى