“أخطارّ على حدود مصر”

من المؤكد أن تركيا لم تبتعد ولو خطوة واحدة عن حليفها الأمريكي إلّا بما يخص دعم الأخير للأكراد في سوريا، ولم تقترب ولو خطوة واحدة من خصمها الروسي إلا لتجنب صِداماً لا طاقة لها به، وخاصة على الأرض السوريّة.

من هذا المنطلق يُجمع العارفون بسلوك الولايات المتّحدة الأمريكيّة، أنّ الأمريكي لا يستطيع السير بدون كلاب حراسةٍ، وبناءً على هذا السلوك لم يجد أوفى من التركي ليسير أمامه مُتنقّلاً من سوريا، إلى العراق، إلى ليبيا، وقريباً إلى مصر عبر حدودها مع ليبيا، لم نقل أوفى لأن التركي وفيٌّ بطبعه، بل لأن تحقيق أهدافه يقتضي أن يستند لحليفٍ قويٍ.

بالتأكيد فإن الحلم التركي المدعوم أمريكيّاً لن يتوقف في ما أنجزه حتى الآن، فـ أردوغان كان واضحاً حين أعلن أكثر من مرّةٍ بأن حدود تركيا المستقبليّة هي حدود الدولة العثمانيّة، هذا يعني، وبحسب هذا الحلم أن أحد حدودها سيلامس الحدود الروسيّة، بدليل الدعم التركي لأذربيجان في نزاعها مع أرمينيا، كذلك في عدم اعترافها بِضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم التي تعتبرها تركيا ولايةً عثمانيةً سابقةً ويجب أن تعود للدولة المُنتظرة التي يعمل أردوغان لتحقيقها، كما بقيّة الدول المُتاخمة لروسيا والتي كانت جزءً من الدولة العثمانيّة.

هذا في إطار السياسة التركيّة التوسعيّة العامّة، أمّا في الإطار الخاص الذي ستنتحدث عنه، أي ما يخص الأهداف التركيّة في ليبيا، ومن وجهة النظر التركيّة فإن النفط الليبي ليس هو أوّل هذه الأهداف لأن عودة هذا النفط ليكون نفطاً عثمانياً هو تحصيل حاصلٍ، يتحقّق ببسط سيطرتها على كامل الجغرافيا الليبية، بل سيكون تواجد تركيا بشكلٍ مباشرٍ أو عبر مرتزقتها على الحدود المصرية الليبية هو الهدف الأوّل والأهم، وبذلك ستكون تلك الحدود معبراً لدخول الإرهاب إلى مصر، الشيء الذي يُنعش آمال التيار الإخواني فيها.

  • فكيف سيكون الردّ المصري؟

لِتحييد مصر عن حالة العداء مع “إسرائيل ” دخلت الولايات المتّحدة الأمريكيّة لِتُسيطر على القرار المصري بِشكلٍ مُطلقٍ، تارةً بإسلوبٍ مباشرٍ، وتارةً بواسطة إحدى الأدوات الخليجية، مُستغلين الحالة الاقتصادية التي تحرص أمريكا كلّ الحرص على ألّا يأتي رئيسٌ يحاول انتشال مصر من هذا الواقع، وهذا ما نجحت به حتى الآن، ويُحسب لها أيضاً نجاحها في انتقاء الرؤساء المصريين الذين يتمتعون بمطواعيةٍ كاملةٍ للقرار الأمريكي.

فبعد رحيل الزعيم العربي جمال عبد الناصر أمسكت الولايات المتّحدة الأمريكيّة تماماً بالملف المصري، وبدأت تُديره بحسب الرغبات الإسرائيليّة، مُغيّرةً الطرابيش حسب مدّة الصلاحية، فعندما انتهت صلاحية محمد أنور السادات أوعزوا لأداتهم الإخوانيّة بقتله، لينقلوا الطربوش لمحمد حسني مبارك الذي نفّذ بجدارةٍ كلّ الطلبات الأمريكيّة، ظناً منه أن ذلك كفيلّ بأن يُبقيه في سدّة الحكم، ولكنّه عرف أنّه لم يكن أكثر من أداةٍ، وأن ظنه ذهب أدراج المصلحة الأمريكيّة الإسرائيليّة عندما رأى المتظاهرين يملؤون شوارع القاهرة، وسط صمتٍ أمريكيٍّ يوحي بِترحيبها بذلك، فقال لوزير خارجيته أحمد أبو الغيط “إن من يعتمد على اللباس الأمريكيّ يبقى عارياً ” وهذا بحسب ما كتبه الأخير في مذكراته، وصولاً إلى الرئيس المصريّ الحالي عبد الفتاح السيسي ،الذي لم يأتِ بجديد يُغيّر الواقع المصري، أو السياسة المصريّة، فكان نسخةً مُكرّرةً عن حسني مبارك، قد يكون ذلك بسبب الإرث الثقيل وبفقدان الرجل لمواصفاتٍ ثوريةٍ وجريئةٍ، يستطيع من خلالها نقل مصر وإرجاعها لتكون دولةً قائدةً وليست تابعة، مما جعله وجعل مصر تفتقد المبادرات الوطنية، وتكتفي بتنفيذ ما يُرسم لها في الخارج، ولو تحلّى القادة المصريين بقليلٍ من الشجاعة، وبتفضيل المصلحة الوطنيّة على المصالح الخاصة، لنقلوا مصر إلى واقعٍ مُستحقٍ أفضل، ولاسيّما مع تقدم القطب الروسي والصيني في المنطقة، ومع تقديم روسيا أكثر من مبادرةٍ لمصر ولكن الارتهان المصري جعل تلك المبادرات قليلة الفائدة.

وهنا ومع إيجابيّة خطوة البرلمان المصري، بتفويض الجيش للعمل خارج الحدود المصريّة لضمان الأمن المصري، نرى أن هذه الخطوة تبقى ناقصةً بدون تحالفاتٍ قويةٍ على الأرض، وبدون داعمين أوفياء في السياسة، لِتبقى هذه الحلقة غير مُكتملةٍ حتى الآن، وإن لم يعمل القادة في مصر على إكمالها سيكون دور الجيش المصري مُقتصراً على دعم القبائل الليبيّة المناوئة لحكومة الوفاق المدعومة تركياً، بالإضافة لمحاولة حماية حدود مصر مع ليبيا، وهذا أمرّ في غاية الصعوبة نظراً لطول تلك الحدود ( 1155 كم )، ولصعوبة تضاريسها، ولن تجد تركيا صعوبةً في اختراق تلك الحدود بشرياً ولوجستياً.

بكلّ الأحوال تعيش مصر هذه الأيام حالةً صعبةً أكثر مما مضي، فأثيوبيا بدعمٍ وبتشجيعٍ من “إسرائيل ” قامت بقطع مياه النيل، أو تقليلها بشكلٍ كبيرٍ، و”إسرائيل ” والمجموعات الإرهابيّة المدعومة من حركة حماس تضغط على مصر من الشرق عبر سيناء، و تركيا مع مجموعاتها المسلّحة قد لا يطول وقت وصولهم للجهة الغربيّة من مصر.

نتمنى ألا تصح هذه التوقعات، ونتمنى لمصر أن تعود أم الدنيا لأجلها ولأجل شعبها أولاً، ولأجل كلّ من يرى في مصر القويّة عامل قوّةٍ للخير وللسلام في المنطقة.

زر الذهاب إلى الأعلى