“مئوية لوزان.. بين الأيام الأخيرة للإمبراطورية العثمانية والخريطة الجيوسياسية المعاصرة”

مئوية لوزان.. بين الأيام الأخيرة للإمبراطورية العثمانية والخريطة الجيوسياسية المعاصرة

محمد عبدالرحمن عريف

هي معاهدة لوزان الثانية التي تسببت بتقليص جغرافيا الدولة التركية الحديثة، وإلزامها بالتنازل عن مساحات كبيرة كانت تتبع لها. حيث حضرت الرسالةٍ التاريخيةٍ والسياسيةٍ إلى الخارج قبل الداخل، باهتمام تركيا بالتخلص من آثار الاتفاقية واستعادة حقوقها، التي اغتصبتها دول الحلفاء حيث تعد نصوص الاتفاقية مجحفة بحقوقها؟.

لقد تأسست الجمهورية التركية الحديثة؛ بناءً على معاهدة لوزان 1923، والتي تم إبرامها مع الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، وهم: المملكة المتحدة (بريطانيا)، وإيرلندا، وفرنسا، وروسيا، وايطاليا، وقد وضعت بريطانيا عدة شروط مجحفة ومؤلمة بحق الدولة العثمانية، اذ تم إلغاء الخلافة، ونفي الخليفة وأسرته خارج تركيا، ومصادرة جميع أمواله، وإعلان علمانية الدولة، ومنع تركيا من التنقيب عن البترول واعتبار مضيق البسفور الرابط بين البحر الأسود وبحر مرمرة، ثم إلى البحر المتوسط ممرًا دوليًا لا يحق لتركيا تحصيل رسوم من السفن المارة فيه.

تسلسل الأحداث

بالعودة لتسلسل الأحداث نجد أنه بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918 أبرمت دول الحلفاء المنتصرة “معاهدة سيفر” يوم 10 أغسطس/ آب 1920، وتقاسمت بموجبها أراضي الدولة العثمانية، وأعطت معظم القوميات غير التركية في الدولة العثمانية استقلالها، ولكن الأتراك رفضوا هذه المعاهدة وخاضوا حربًا شرسة ضد الحلفاء حتى انتصروا عليهم انتصارًا كبيرًا، وخاصة على اليونان خلال حرب (1922-1923). وفي أعقاب ذلك عُقد “مؤتمر لوزان” الثاني الذي استمرت أعماله ثلاثة أشهر، وتمخض عن توقيع “معاهدة لوزان” اتفاقية سلام دولية يوم 24 يوليو/ تموز عام 1923 في فندق “بوريفاج بلاس” بمدينة لوزان جنوبي سويسرا، وكانت أطراف المعاهدة القوى المنتصرة بعد الحرب العالمية الأولى (خاصة بريطانيا وفرنسا وإيطاليا)، والإمبراطورية العثمانية التي ترأس وفدها إلى المؤتمر عصمت إينونو، وقسمت على اساسها رسمياً الامبراطورية العثمانية، وتم تأسيس الجمهورية التركية برئاسة مصطفى كمال اتاتورك.

أهم ما تضمنته معاهدة لوزان الثانية:

-ترسيم حدود امبراطورية الخلافة العثمانية التي كانت الدول الغربية تسميها آنذاك “الرجل المريض”، والتي أسست لقيام الدولة التركية القومية الحديثة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، وعاصمتها أنقرة.

-تضمنت 143 مادة موزعة على 17 وثيقة ما بين “اتفاقية” و”ميثاق” و”تصريح” و”ملحق”، وتناولت ترتيبات الصلح بين الأطراف الموقعة على المعاهدة، وإعادة تأسيس العلاقات الدبلوماسية بينها “وفقًا للمبادئ العامة للقانون الدولي”.

-وضعت قوانين لاستخدام المضايق المائية التركية وقواعد المرور والملاحة فيها زمن الحرب والسلم، ونصت على شروط الإقامة والتجارة والقضاء في تركيا، وإعادة النظر بوضعية الدولة العثمانية ومآل الأراضي التي كانت تابعة لها قبل هزيمتها في الحرب العالمية الأولى خلال 1914-1918.

-ابطال “معاهدة سيفر” وبنودها المجحفة بحق الدولة العثمانية، والتأسيس لما عُرف لاحقًا بـ”الجمهورية التركية” العلمانية بعد إلغاء نظام الخلافة الإسلامية، ورسّمت حدود اليونان وبلغاريا مع الدولة التركية التي حافظت على ضم إسطنبول وتراقيا الغربية، وتضمنت بنودًا تتعلق بتقسيط ديون الدولة العثمانية.

تخلت تركيا عن السيادة على قبرص وليبيا ومصر والسودان والعراق وبلاد الشام

-تخلت تركيا عن السيادة على قبرص وليبيا ومصر والسودان والعراق وبلاد الشام، باستثناء مدن كانت تقع في سوريا مثل أورفا وأضنة وغازي عنتاب وكلس ومرعش، وبتنازل الدولة العثمانية عن حقوقها السياسية والمالية المتعلقة بمصر والسودان اعتبارًا من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1914.

-نصت على استقلال جمهورية تركيا، وحماية الأقلية المسيحية الأرثوذكسية اليونانية بتركيا والأقلية المسلمة باليونان، وألزمت الحكومة التركية بالمحافظة على حياة جميع المواطنين وحقوقهم وحريتهم ضمن أراضيها، وبمساواتهم أمام القانون بغض النظر عن الأصل والقومية واللغة والدين، إلا أن معظم السكان المسيحيين في تركيا والسكان الأتراك في اليونان كانوا قد طـُردوا حسب معاهدة تبادل السكان اليونانيين والأتراك السابق توقيعها بين اليونان وتركيا، يونانيو اسطنبول، إمبروس وتندوس فقط تم استثناؤهم (حوالي 270,000 آنذاك)، والسكان المسلمين في تراقيا الغربية (نحو 129,120 في 1923)، الفقرة 14 من المعاهدة منحت جزر گوقچى‌عادة (إمبروس) وبوزجاعادة (تندوس) “تنظيم اداري خاص”.

-وافقت تركيا رسمياً على خسارة قبرص (التي كانت مؤجرة للإمبراطورية البريطانية إثر مؤتمر برلين في 1878، ولكنها ظلت قانونياً أرضاً عثمانية حتى الحرب العالمية الأولى) وكذلك مصر والسودان الأنجلو-مصري (الذي احتلته قوات بريطانية بحجة “اخماد ثورة عرابي واستعادة النظام” في 1882، ولكنهما ظلتا “قانونياً” أراضي عثمانية حتى الحرب العالمية الأولى)، والتي ضمتها بريطانيا بشكل أحادي في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 1914.

-ترك مصير مقاطعة الموصل ليتحدد عبر عصبة الأمم، كما تخلت تركياً عن كل الادعاءات فيما يختص بـجزر الدوديكانيز، التي كانت إيطاليا مجبرة على اعادتها لتركيا حسب الفقرة 2 في معاهدة اوشي في 1912، وتُعرف أيضاً باسم معاهدة لوزان الأولى 1912, إذ وُقـِّعت في شاتو دوشي في لوزان، سويسرا ، في أعقاب الحرب الإيطالية التركية (1911-1912)، بين تركيا وايطاليا.

الزام تركيا بعدم وضع أي قيود على المواطنين في استخدام أي لغة يختارونها مهما كانت، سواء أكان ذلك في العلاقات الخاصة أم في الاجتماعات العامة أم في مجالات الدين والتجارة والإعلام والنشر

-ظلت الأراضي إلى الجنوب من سوريا والعراق والجزيرة العربية تحت السيطرة التركية حين وُقـِّعت هدنة مدروس في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 1918 والتي لم تتعامل نصوصها معها بوضوح، إلا أن تعريف الحدود الجنوبية لتركيا في الفقرة 3 كان يعني أيضاً أن تركيا قد تخلت عنها، وكانت تضم المملكة المتوكلية اليمنية، وعسير وأجزاء من الحجاز مثل المدينة المنورة، التي احتفظت بها القوات التركية حتى 23 يناير/ كانون الثاني 1919.

-الزام تركيا بعدم وضع أي قيود على المواطنين في استخدام أي لغة يختارونها مهما كانت، سواء أكان ذلك في العلاقات الخاصة أم في الاجتماعات العامة أم في مجالات الدين والتجارة والإعلام والنشر، مع تأكيد حقوق السيادة السياسية والاقتصادية للدولة التركية وإلغاء تطبيق نظام الامتيازات الأجنبية على أراضيها.

-أعلنت رومانيا من جانب واحد فرض سيادتها على جزيرة القلعة العثمانية (أضا قلعة) في 1919، وقوّت هذا الادعاء في معاهدة تريانون في 1920، وكانت الجزيرة منسية بالكامل في أثناء محادثات السلام في مؤتمر برلين في 1878، مما سمح لها أن تبقى قانونياً أرضاً تركية في المِلكية الخاصة للسلطان العثماني حتى معاهدة لوزان في 1923. وهي جزيرة صغيرة تقع على نهر الدانوب، وتتبع اليوم للأراضي الرومانية الصربية، وكان معظم سكانها من الأتراك، وتعكس الجزيرة خصائص العمارة العثمانية، حيث فيها العديد من المساجد والأزقة الملتوية. وقد بُنيت بعض مباني الجزيرة على طراز فوبان، مثل الكنيسة الأرثوذكسية وبعض المقاهي.

تخلت تركيا عن امتيازاتها في ليبيا

-تخلت تركيا عن امتيازاتها في ليبيا كما كانت تحددهم الفقرة 10 من معاهدة اوتشي في 1912 (حسب الفقرة 22 من معاهدة لوزان في 1923).

نعم الأتراك ينظرون إلى الاتفاقية، باعتبارها وثيقة تأسيس للجمهورية التركية، مطالبين بمراجعة اتفاقية لوزان الثانية، الموقعة عام 1923، والتي تم على إثرها تسوية حدود تركيا الحديثة عقب الحرب العالمية الأولى. يعتبر الأتراك أن “خصوم تركيا” أجبروها على توقيع “معاهدة سيفر” عام 1920، وتوقيع “معاهدة لوزان” عام 1923، وبسبب ذلك تخلت تركيا لليونان عن جزر في بحر إيجه، ويصف الأتراك معاهدة سيفر، بأنها الشوكة الأولى في الظهر العثماني، لأنها أجبرتها على التنازل عن مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت واقعة تحت نفوذها معاهدة لوزان؛ المحطة الأخيرة لتقسيم التركة العثمانية اعترفت المعاهدة بحدود الدولة الحديثة في تركيا، وتقلصت مطالب الحلفاء من الحكم الذاتي لكردستان التركية بالتنازل التركي للأراضي إلى أرمينيا، والتخلي عن المطالبات إلى مناطق النفوذ في تركيا، وفرض الرقابة على المعاملات المالية بتركيا أو القوات المسلحة، وقد أعلنت المضائق التركية بين بحر إيجة والبحر الأسود لتصبح مفتوحة للجميع، على خلاف ما حدث في اتفاقية سيفر.

تخلت تركيا عن السيادة على العراق والأردن وفلسطين، لتصبح تحت النفوذ البريطاني، فيما خضعت سوريا ولبنان للانتداب الفرنسي، واحتفظت تركيا بالأناضول

أما في آسيا، فتخلت تركيا عن السيادة على العراق والأردن وفلسطين، لتصبح تحت النفوذ البريطاني، فيما خضعت سوريا ولبنان للانتداب الفرنسي، واحتفظت تركيا بالأناضول، وأصبحت أرمينيا جمهورية مستقلة تحت ضمانات دولية. وفي أوروبا، تنازلت تركيا عن أجزاء من تراقيا الشرقية وبعض جزر بحر إيجه لليونان، ودوديكانيز ورودس لإيطاليا، والإبقاء على القسطنطينية وضواحيها، بما في ذلك منطقة المضيق “الدردنيل والبوسفور”، الذي تم تحيده وتدويله، وحصل الحلفاء على المزيد من السيطرة الفعلية على الاقتصاد التركي مع حقوق الاستسلام.

يبقى في النهاية أن معاهدة لوزان الثانية قادت إلى الاعتراف الدولي بسيادة جمهورية تركيا كدولة خلفت الامبراطورية العثمانية. ومع قرب انتهاء المعاهدة يعتقد أن “الرسالة المتداولة” سببت التوتر السياسي بين تركيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي، بعد مرور مائة عام على توقيعها. كما تشير الرسالة إلى أنه سيكون بإمكان تركيا بعد انتهاء مدة المعاهدة، التنقيب عن النفط، وتنضم إلى قائمة الدول المنتجة للنفط، إلى جانب تحصيل رسوم من السفن المارة عبر مضيق البوسفور، وحفر قناة جديدة تربط بين البحر الأسود وبحر مرمرة، والتي كانت محظورة على تركيا حسب معاهدة لوزان؛ تمهيدًا للبدء في تحصيل الرسوم من السفن المارة.

خريطة لوزان الجيوسياسية بعد مئة عام

هي لوزان الثانية اليوم على طاولة النقاش، اذ بدأت المخاوف من انقضاء المدة تطفو على السطح، والسؤال: هل عند انتهاء مدة “معاهدة لوزان 2” ستعود تركيا امبراطورية عثمانية حديثة في المنطقة؟ وهل ستتغير الخريطة الجيوسياسية والاقتصادية، ويشهد العالم دخول مرحلة جديدة برجوع الارث العثماني؟ وكيف ستتعامل القوى العظمى الحالية مع المطالب التركية؟ وهل سنشهد حروبًا قبل 2023، ومن سيقود ذلك التغيير. وحول ربط قرب انتهاء الاتفاقية بالتوتر السياسي بين تركيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي، يتساءل المراقبون: “هل توجد في القانون الدولي مادة تنص على صلاحية المعاهدات الدولية 100 عام فقط؟”، مشيرين إلى أن “ألمانيا ألغت معاهدة في الثلاثينيات بعد 20 عامًا من توقيعها، فهل يمكن لتركيا فعل ذلك؟.

ألف الكاتب التركي “قدير مصراوغلو” كتاباً بعنوان “معاهدة لوزان، انتصار أم خدمة؟!” ينتقد فيه المعاهدة والقائمين عليها من الطرف التركي حيث يقول إن الاتراك (في توقيع معاهدة لوزان) تخلوا عن قيادة المسلمين ورضوا بقطعة صغيرة من الأرض.

سبق أن ألف الكاتب التركي “قدير مصراوغلو” كتاباً بعنوان “معاهدة لوزان، انتصار أم خدمة؟!” ينتقد فيه المعاهدة والقائمين عليها من الطرف التركي حيث يقول إن الاتراك (في توقيع معاهدة لوزان) تخلوا عن قيادة المسلمين ورضوا بقطعة صغيرة من الأرض. فالأتراك ينظرون إلى الاتفاقيّة، باعتبارها وثيقة تأسيس للجمهوريّة التركيّة، التي تمّ على إثرها تسوية حدود تركيّا الحديثة، عقب الحرب العالميّة الأولى، وقادت معاهدة لوزان الثانية إلى الاعتراف الدوليّ بسيادة جمهوريّة تركيّا كدولة خلفت الامبراطوريّة العثمانيّة. وهناك مطالبة بمراجعة اتفاقيّة لوزان الثانية، فـ“خصوم تركيّا” أجبروها على توقيع “معاهدة سيفر” عام (1920 م)، وتوقيع “معاهدة لوزان” عام (1923م)، وبسبب ذلك تخلّت تركيّا عن كثير من أراضيها، وعن سيادتها وعن حقوقها.

كيف ستتعامل القوى العظمى الحاليّة مع المطالب التركيّة؟ وهل سنشهد حروباً قبل (2023 م)؟ ومن سيقود ذلك التغيير؟. وهل سيكون بإمكان تركيّا بعد انتهاء مدّة المعاهدة، التنقيب عن النفط؟ لتنضمّ إلى قائمة الدول المنتجة للنفط، إلى جانب تحصيل رسوم من السفن المارّة عبر مضيق البوسفور، وحفر قناة جديدة تربط بين البحر الأسود وبحر مرمرة، التي كانت محظورة على تركيّا بحسب معاهدة لوزان؛ تمهيداً للبدء في تحصيل الرسوم من السفن المارّة.

في النهاية يمكننا فهم بعض أوجه الخلافات المستمرة بين تركيا والغرب بأن الدول الغربية تخشى مع إنتهاء المعاهدة أن تجد تركيا ما يبرر تدخلها في الموصل، التي كانت تابعة لتركيا طوال 4 قرون حتى فقدتها في الحرب العالمية الأولى.

المصدر
ترك بوست
زر الذهاب إلى الأعلى